ابن أبي الحديد
113
شرح نهج البلاغة
ثم قال : ولما علمنا أن تقديم المفضول على الفاضل قبيح ، علمنا أن آدم كان أفضل من الملائكة في ذلك الوقت وفيما بعده . ولقائل أن يقول : أليس قد سجد يعقوب ليوسف عليه السلام ! أفيدل ذلك على أن يوسف أفضل من يعقوب ! ولا يقال : إن قوله تعالى : ( ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا ) ( 1 ) لا يدل على سجود الوالدين ، فلعل الضمير يرجع إلى الاخوة خاصة ، لأنا نقول هذا الاحتمال مدفوع بقوله : ( والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) ( 2 ) ، وهو كناية عن الوالدين . وأيضا قد بينا أن السجود إنما كان لله سبحانه ، وأن آدم كان قبلة ، والقبلة لا تكون أفضل من الساجد إليها ، ألا ترى أن الكعبة ليست أفضل من النبي عليه السلام ! * * * الأصل : واصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم ، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم ، لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم ، فجهلوا حقه ، واتخذوا الأنداد معه ، واجتالتهم الشياطين عن معرفته ، واقتطعتهم عن عبادته ، فبعث فيهم ( 3 ) رسله ، وواتر إليهم أنبياءه ، ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكروهم منسي نعمته ، ويحتجوا عليهم بالتبليغ ، ويثيروا لهم دفائن العقول ، ويروهم آيات المقدرة ، من سقف فوقهم مرفوع ، ومهاد تحتهم موضوع ، ومعايش تحييهم ، وآجال تفنيهم ، وأوصاب تهرمهم ، وأحداث تتابع عليهم . ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبي مرسل ، أو كتاب منزل ، أو حجة لازمة ،
--> ( 1 ) سورة يوسف 100 . ( 2 ) سورة يوسف 4 ( 3 ) مخطوطة النهج : ( إليهم ) .